جديد الصحراء : بقلم وهبي المغفري
تحتفل ساكنة الأقاليم الجنوبية للمملكة على غرار باقي مكونات الشعب المغربي، بالذكرى الخامسة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس نصره الله على عرش أسلافه المنعمين، في ظل إنجازات باهرة وانتصارات كبرى تحققت خلال عهده السعيد بهذه الربوع العزيزة التي شهدت نهضة تنموية على كافة المستويات والأصعدة، والتي مست مختلف مناحي الحياة، حتى باتت هذه الأقاليم نموذجا يحتذى به في الاستقرار والتنمية، وسط محيط إقليمي يموج بالاضطرابات وتئن دوله وشعوبه تحت وطأة الفقر والحروب.
فمنذ اعتلائه العرش في 30 يوليوز 1999، خلفا لوالده الراحل المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، قاد جلالة الملك البلاد نحو عملية تحديث واسعة، وشهدت خلال عهده زخما هائلا من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فيما أولى جلالته، عناية خاصة للأقاليم الجنوبية، فشهدت بفضل عديد المبادرات التي أطلقها، ثورة تنموية هائلة وتحولات عميقة غيرت وجه هذه الأقاليم وساهمت في تحسين جودة حياة السكان، وتجسيدا لهذه المكانة حرص عاهل البلاد على القيام بزيارات متعددة إلى هذه الربوع، وألقى من قلبها خطبا ملكية سامية موجهة للأمة، كما ترأس مجالس وزارية وأنشطة ملكية متعددة، فضلا عن إطلاقه لمبادرات وبرامج تنموية كبرى، في مشهد عكس المكانة الخاصة التي يوليها جلالته لرعاياه الأوفياء بالصحراء، والارتباط التاريخي لساكنتها بالعرش العلوي المجيد، فيما واصل المغرب تحت قيادته الحكيمة معركة الدفاع عن القضية الوطنية، حيث تحققت الانتصارات وتوالت المكاسب الديبلوماسية التي أسهمت في صون وحدة المملكة الترابية، وتكريس سيادتها على أقاليمها الجنوبية.
طي صفحة الماضي وتعزيز حقوق الإنسان والحريات:
لقد بدا جليا منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، أن جلالته عازم كل العزم على الطي النهائي لما عرف ب”سنوات الرصاص”، في إطار العدالة الانتقالية التي انطلقت منذ تسعينيات القرن الماضي، بإحداث المجلس الاستشاري لحقوق الانسان، وبعده المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إضافة الى العمل الذي أنجزته هيئة الإنصاف والمصالحة، التي شكلت تجربة رائدة على الصعيدين العربي والإفريقي، وفي هذا الإطار وعلى غرار باقي ربوع المغرب، شهدت الأقاليم الجنوبية معالجة شاملة لهذا الملف الحقوقي، حيث انكبت الهيئة على متابعة الملفات ومعالجتها، وتم جبر ضرر الضحايا وتعويضهم وإدماجهم، وقد تعزز الاهتمام بالجانب الحقوقي، مع إحداث اللجان الجهوية لحقوق الإنسان، التي استطاعت بأدوارها الحيوية وأنشطتها المتميزة أن تنال الإشادة والتقدير المستمر من مختلف الآليات الأممية الحقوقية.
كما شهدت الأقاليم الجنوبية خلال العهد الجديد انفراجا كبيرا على مستوى الحريات العامة وتكوين الجمعيات والهيئآت المدنية، إلى جانب ارتفاع نسبة المشاركة السياسية، وانخراط الساكنة خاصة الشباب والنساء في العمل السياسي والحزبي، بالإضافة إلى الدور الفاعل للمنتخبين في تسيير شؤونهم المحلية وتنزيل البرامج والمشاريع التنموية، وحضور أبناء المنطقة البارز في مختلف مواقع ومناصب المسؤولية على اختلاف مستوياتها، وقد ظلت المحطات الإنتخابية المتعاقبة تشهد على نسب المشاركة المرتفعة التي تسجلها هذه الربوع، وهو ما عكس تشبث ساكنة الأقاليم الصحراوية بالوحدة الوطنية ونجاح الدولة في ترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية.
لقد مكنت المعالجة الشاملة التي قامت بها الدولة لملف حقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية، وأجواء الانفتاح التي باتت تنعم بها، من تجاوز أخطاء الماضي، وتكريس واقع الأمن والاستقرار والحرية في كنف دولة الحق والقانون، وهو ما عزز الثقة بين المواطن بهذه الأقاليم والدولة، وأدى إلى سحب البساط من تحت أقدام خصوم الوحدة الترابية للمغرب، الذين عملوا منذ تفجر النزاع المفتعل حول الصحراء، على توظيف الورقة الحقوقية للإساءة للمملكة، وللمس بوحدتها الترابية والإضرار بمصالحها الحيوية.
المغرب يراهن على تنمية الأقاليم الجنوبية لربح معركة الوحدة الترابية:
ظل تحقيق تنمية شاملة بالأقاليم الجنوبية أحد الشواغل الرئيسية للدولة منذ استرجاعها إلى حضن الوطن بعد المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975، إيمانا منها بأن تعزيز الوحدة الترابية للمملكة، وتوثيق عرى الارتباط الأبدي بين الجنوب والشمال، يمر حتما عبر تحقيق تنمية شاملة تعم كل أرجاء الوطن، فعملت على حشد كل الطاقات من أجل النهوض بمختلف آليات التنمية بالأقاليم الجنوبية، والتخلص من مخلفات الحقبة الاستعمارية التي تركت الصحراء قاعا صفصفا، تفتقر لأبسط البنيات التحتية الأساسية، وهمت هذه الدينامية الشاملة كل المجالات من التهيئة الحضرية إلى الصحة والتعليم، والماء والفلاحة والنقل والتشغيل والصيد البحري، والثقافة، وغيرها من المجالات الأخرى.
ولئن واجهت هذه الدينامية في البداية عقبات واكراهات جمة، مرتبطة بالتحديات التي واجهتها المملكة على صعيد صون وحدتها الترابية ومواجهة مناورات الخصوم، فقد أخذ صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على عاتقه بعد تسلمه العرش سنة 1999، استكمال هذه المسيرة، مؤكدا عزمه الراسخ على مواصلة هذا المسار وتطويره، حيث شهدت الأقاليم الجنوبية خلال عهده ثورة تنموية حقيقية مست كافة المجالات والقطاعات، تم خلالها إطلاق العديد من المشاريع الاستراتيجبة الكبرى التي حولت الجهات الجنوبية إلى ورش مفتوح للتنمية.
فقد أكد جلالته في خطابه الذي وجهه للأمة بمناسبة الزيارة المباركة التي قادته إلى مدينة العيون سنة 2002 قائلا، “ومن هذا المنطلق الاستراتيجي كنا أعلنا في خطابنا بمناسبة تخليد الذكرى السادسة والعشرين للمسيرة الخضراء المظفرة عن عزمنا القوي على جعل أقاليمنا الجنوبية مثالا يحتذى للتنمية الجهوية المندمجة، وأكدنا على أن يكون التخطيط لها وإنجازها بتشاور وتشارك مع كل أبناء هذه الأقاليم بمختلف مجالسهم المنتخبة وشبابهم وفعالياتهم ونخبهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.
وفي إطار تنزيل الرؤية الملكية لتنمية الأقاليم الجنوبية، أعلن جلالته عن قراره بإحداث وكالة خاصة بتنمية الأقاليم الجنوبية، وذلك تجسيدا للعناية الخاصة التي يوليها لهذه الربوع، وحرصا منه على أن تكون برامج ومشاريع هذه الوكالة منبثقة من واقع المنطقة ومن تطلعات أبنائها، دعا إلى بلورة مخطط التنمية الجهوية للأقاليم الجنوبية في مشاريع مضبوطة وبرامج محددة بزمانها ومكانها وتمويلها وتقويمها، ومواصلة المجهودات الجبارة التي بذلت لتزويد هذه المناطق بتجهيزات تحتية أساسية في مجالات الطرق والمرافىء والإسكان والإنارة والماء الشروب وتمكينها من التنمية الاجتماعية، وإعطاء الأولوية المطلقة للنهوض بالاستثمار المنتج المبدع للثروة المنشىء لفرص الشغل القار والكريم للشباب، واستثمار المؤهلات الطبيعية للمنطقة في مجالات الصناعة المعدنية والصيد البحري والصناعة التقليدية والسياحة والتجارة، وكذا مواردها البشرية المؤهلة للإبداع والعطاء المعروفة بطاقاتها الاقتصادية الواعدة وقدراتها العلمية العريقة وحنكتها المتصلة، ودعا الحكومة إلى وضع حد لمشكل السكن غير اللائق في هذه الأقاليم، والتعجيل بإنجاز ست قرى للصيد مجهزة بمرافقها البحرية والسكنية والترفيهية ومعززة بموانىء موسعة.
النموذج التنموي للاقاليم الجنوبية.. ثورة تنموية غيرت وجه الصحراء:
أعلن صاحب الجلالة الملك محمد السادس إطلاق النموذج التنموي للاقاليم الجنوبية بتاريخ 6 نونبر 2015 بمناسبة الزيارة التاريخية التي قام بها إلى مدينة العيون، وحظي هذا البرنامج بميزانية قدرها 77 مليار درهم، والتي تم رفعها لاحقا إلى 85 مليار درهم، ويهدف إلى تسريع التنمية والاندماج الاجتماعي والاقتصادي بالأقاليم الجنوبية، ويشمل هذا البرنامج على وجه الخصوص مشاريع مهيكلة، على غرار الطريق السريع تيزنيت – العيون – الداخلة، وميناء الصيد في امهيريز وميناء الداخلة الأطلسي، كما يتضمن إحداث خط بحري ساحلي مخصص للبضائع بين الدار البيضاء والداخلة، وإعادة فتح الخطين البحرين الذين يربطان جزر الكناري بكل من طرفاية والعيون، وتشييد مركز استشفائي جامعي في العيون ومجمع للتكنولوجيا في فم الواد.
وقد أكد جلالة الملك في الخطاب السامي الذي وجهه بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة، أن هذا البرنامج يندرج في إطار التوجه الذي تعتمده المملكة في الدفاع عن مغربية الصحراء، والذي يرتكز على منظور متكامل، يجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي، والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية للمنطقة، ويهدف إلى إطلاق دينامية اقتصادية واجتماعية حقيقية، و”خلق فرص الشغل والاستثمار، وتمكين المنطقة من البنيات التحتية والمرافق الضرورية”، مؤكدا بأن هذا البرنامج الطموح “يستجيب لانشغالات وتطلعات سكان الأقاليم الجنوبية، وتتحمل السلطات المحلية والمنتخبة، مسؤولية الإشراف على تنزيل مشاريعه”.
دسترة الحسانية وإبرازها كرافد من راوفد الهوية المغربية:
وفيما يخص حفظ التراث والثقافة الحسانية، أولى جلالة الملك محمد السادس عناية خاصة لهذا الجانب، حيث عمل جلالته على صون الموروث الثقافي الحساني وتأهيله وإدماجه في الهوية المغربية المتنوعة ومتعددة الروافد، ثم جاء دستور 2011 ليكرس المكانة البارزة لهذا المكون في الهوية المغربية حيث نصت ديباجة الدستور الجديد على أن “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية الموحدة، وانصهار مكوناتها العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية”.
كما شكل إطلاق قناة العيون الجهوية في 6 نونبر 2004، بتوجيهات سامية من صاحب الجلالة، حدثا إعلاميا بارزا بالأقاليم الجنوبية للمملكة، باعتبارها أول قناة جهوية بالمغرب، والتي شكلت منبرا ساهم في إبراز الثقافة الحسانية والتراث المحلي، فضلا عن الدور الهام الذي لعبته في الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب، وتسليط الضوء على الإنجازات والمشاريع التنموية الكبرى المنجزة بالأقاليم الجنوبية.
إعادة هيكلة المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية وإشراك أبناء المنطقة في المفاوضات:
ولأن جلالة الملك ظل يؤمن دائما أن حل النزاع المفتعل حول صحرائه يمر حتما عبر مشاركة ساكنة هذه الربوع في تدبير الملف، وتزامنا مع استعداد المغرب لطرح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، فقد عمل جلالته على إعادة هيكلة المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، وذلك خلال الزيارة الميمونة التي قام بها إلى العيون شهر مارس 2006، والذي يضم مختلف الفعاليات والفئات، من شيوخ وأعيان ومنتخبين وفاعلين من المجتمع المدني وأكاديميين ونساء، وقد حدد جلالته مهمة المجلس في خطاب ألقاه بهذه المناسبة، قائلا إنها “ترسيخ ثقافة التشاور، وفسح المجال الواسع أمام مواطنينا للمساهمة باقتراحاتهم العملية في كل القضايا المتصلة بوحدتنا الترابية، وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأقاليم الجنوبية”، مؤكدا بأن المجلس أنشئ “ليساهم إلى جانب السلطات العمومية والمؤسسات المنتخبة في الدفاع عن مغربية الصحراء، والتعبير عن التطلعات المشروعة لمواطنينا الأعزاء، وليكون خير معبّر عن مواقف إخوانكم لدى المحافل والهيئات الدولية للتعريف بعدالة قضية وحدتنا الترابية”.
كما تميزت العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة بهدف إيجاد حل سياسي واقعي للنزاع، بإشراك ساكنة الاقاليم الجنوبية في الوفد المغربي المشارك في مفاوضات المائدة المستديرة التي انعقدت تحت إشراف الأمم المتحدة، وذلك من خلال ممثليهم المنتخبين وفاعلين مدنيين، حيث شارك كل من رئيس جهة العيون الساقية الحمراء سيدي حمدي ولد الرشيد، ورئيس جهة الداخلة وادي الذهب الخطاط ينجا، إلى جانب الفاعلة الجمعوية وعضو المجلس الجماعي للسمارة فاطمة العدلي، في جولتي المفاوضات التي احتضنتها جنيف في دجنبر 2018، ومارس 2019، وهو القرار الذي بدد أوهام خصوم الوحدة الترابية حول التمثيلية المزعومة للبوليساريو لساكنة الأقاليم الجنوبية، ومكن من إيصال صوت الساكنة بخصوص دعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
جلالة الملك يقود ديبلوماسية فعالة وحازمة صوب حسم نهائي للنزاع المفتعل حول مغربية الصحراء:
شكلت معركة الدفاع عن الوحدة الترابية وتكريس سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، محور تحركات الديبلوماسية المغربية، تحت القيادة المتبصرة للملك محمد السادس، ففي عهد جلالته تحققت للمغرب انتصارات ديبلوماسية وميدانية كبرى على صعيد تعزيز وحدته الترابية وتكريس سيادته على أقاليمه الجنوبية، وحسمه النهائي لهذا النزاع.
وقد تزامنت بداية عهد جلالته بحالة الجمود التي طبعت المسار الأممي لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، ودخوله في نفق مسدود بعد ظهور صعوبات حالت دون إجراء الاستفتاء وذلك بسبب العراقيل التي وضعها خصوم المغرب، قبل أن يقتنع المجتمع الدولي باستحالة إجرائه، لتدخل بعدها العملية السياسية الأممية مسارا جديدا يسير في اتجاه البحث عن حل سياسي واقعي متوافق بشأنه بين الأطراف المعنية، وفي هذا السياق برزت إلى الوجود خطة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، والتي حظيت برضى وموافقة ساكنة الصحراء، وبدعم واسع ومتزايد من قبل القوى الإقليمية والدولية الوازنة، باعتبارها الحل الوحيد الكفيل بتسوية هذا النزاع الإقليمي المفتعل.
كما واصلت ديبلوماسية المملكة معركتها لانتزاع الاعتراف بمغربية الصحراء، وتكريس السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، فعملت على إبرام الشراكات والاتفاقيات التي تشمل الصحراء، ونجحت في تحقيق مكاسب ديبلوماسية وميدانية كبيرة، شكلت محطة فاصلة في مسار هذا النزاع، لعل أبرزها دعم القوى الدولية الفاعلة في هذا الملف للموقف المغربي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي قررت في دجنبر 2020 دعم مغربية الصحراء، وقرار إسبانيا المستعمر السابق للمنطقة في مارس 2022، اعتبار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد لهذه القضية، إلى جانب الموقف الفرنسي الأخير الذي عبر عنه الرئيس إيمانويل ماكرون في رسالة التهنئة التي بعثها لجلالة الملك بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لعيد العرش، والتي أكد فيها بشكل واضح لا لبس فيه، أن فرنسا تعتبر أن “حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية”، فضلا عن الدعم المتزايد الذي ظلت تحصده المبادرة المغربية داخل الساحة الأوربية، كما تميز هذا المسار الحافل بالانتصارات الديبلوماسية، بافتتاح العديد من الدول الصديقة والشقيقة، لقنصليات وتمثيليات ديبلوماسية بكل من العيون والداخلة والتي وصلت إلى 30 قنصلية وتمثيلية ديبلوماسية، وذلك في اعتراف جلي وواضح بالسيادة المغربية على الصحراء.
تحقق كل ذلك في مقابل تسجيل انحسار كبير لأطروحة البوليساريو، بعد أن قررت العديد من الدول خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، سحب اعترافها بالجمهورية الوهمية، وتفكيك المغرب لكل الأوراق التي ظلت الجبهة توظفها للتأثير في مجريات الأحداث، خاصة ملفي حقوق الإنسان والثروات الطبيعية، وكان آخر هذه الأوراق هي المعبر الحدودي الكركارات، التي سقطت بشكل مدو من يد البوليساريو، بعد التدخل الحاسم الذي قامت به القوات المسلحة الملكية في 13 نونبر 2020 في العملية غير الهجومية الناجحة، والتي تمكن على إثرها المغرب من تأمين هذا المعبر الحيوي، وتمديد جداره الدفاعي إلى الحدود مع الجارة موريتانيا.
وإيمانا من المغرب بأن القطع مع سياسة الكرسي الشاغر بات ضرورة تمليها معركة الدفاع عن الوحدة الترابية، ولأن الساحة الافريقية شكلت أحد الميادين التي ظلت البوليساريو تصول وتجول فيها لسنوات مستغلة الغياب المغربي، فقد قررت المملكة سنة 2016 أن تعود ومن الباب الواسع للاتحاد الافريقي، وذلك وسط دعم وترحيب كبيرين من الغالبية العظمى من الدول الإفريقية، وقد قاد جلالة الملك محمد السادس بشكل شخصي معركة العودة للمنظمة حيث استبقها بزيارات مكوكية للعديد من الدول الفاعلة والوازنة في القارة السمراء وهو ما مهد لهذه العودة المظفرة، ومن داخل أروقة وكواليس المنظمة الإفريقية خاضت الديبلوماسية المغربية معركة شرسة واجهت فيها بشكل مباشر ومن المسافة صفر خصوم الوحدة الترابية، فنجحت في تحقيق انتصارات ومكاسب هامة، مكنت من محاصرة ونسف كل التحركات والمناورات التي ظلت تستهدف المغرب ومصالحه الحيوية، وكانت أولى ثمار عودة المغرب لحضنه الافريقي، هو القرار 693 في قمة نواكشوط سنة 2018 الذي أكد على الدور الحصري للأمم المتحدة بشأن القضية الوطنية، لتقطع بذلك الديبلوماسية المغربية الطريق أمام محاولات الجزائر وحلفائها إقحام المنظمة الإفريقية في هذا المسار، هذا بالإضافة إلى القرار الأخير خلال اجتماع المجلس التنفيذي للاتحاد الافريقي بغانا، والقاضي بحصر لائحة المشاركين في قمم الشراكة بالدول الأعضاء بالأمم المتحدة، وهو ما يعني إقصاء جمهورية البوليساريو الوهمية من المشاركة في هذه القمم، فيما توحي كل المؤشرات بأن طرد هذه الجمهورية المزعومة من المنظمة الإفريقية بات مسألة وقت.
كل هذه الانتصارات والمكاسب النوعية لم تكن لتتحقق لولا الديبلوماسية الجريئة والمواقف الحازمة، التي تبناها المغرب بقيادة جلالة الملك، حيث تميزت ديبلوماسيته بفعالية وجرأة كبيرة، وتحركت في كل الاتجاهات وعملت على تنويع الشراكات لتشمل قوى دولية صاعدة، وطرقت أبواب عواصم دول كانت إلى الأمس القريب تشكل معاقل لأطروحة الانفصال، فضلا عن الحزم الذي تميزت به المملكة في تعاطيها مع شركائها الإقليميين والدوليين، بجعل قضيتها الوطنية المحور الأساسي المحدد لهذه الشراكات، وهو ما أكده جلالة الملك في الخطاب الذي وجهه بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب، حيث شدد على أن ملف الصحراء “هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”، مؤكدا بأن المغرب “ينتظر من بعض الدول، من شركائه التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل”، إلى جانب إطلاق الرباط للعديد من المبادرات الاستراتيجية الهامة لصالح الدول الإفريقية، لعل أبرزها المبادرة الملكية لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.
وفي الوقت الذي ما فتئ المغرب يؤكد على انخراطه الفاعل في الجهود التي تقودها الأمم المتحدة بهدف إيجاد حل سياسي واقعي للنزاع، وتعاونه الكامل مع مبعوثي الأمم المتحدة، ومع بعثة المينورسو لأداء مهامها المتمثلة في مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار، ظل يشدد على رفضه القاطع لكل المقاربات التي تجاوزتها قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، راسما حدودا وخطوطا حمراء لهذا المسار الأممي، والذي يقوم على أن لا عملية سياسية خارج إطار الموائد المستديرة التي حددتها الأمم المتحدة، بمشاركة كاملة من الجزائر، ولا حلا خارج إطار المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ولا عملية سياسية جدية في وقت ينتهك وقف إطلاق النار يوميا من قبل مليشيات البوليساريو، مع التأكيد على تمسكه باحترام اتفاق وقف إطلاق النار، وتشديده في ذات الوقت على أنه لن يتوانى عن الرد الصارم على كل ما من شأنه أن يمس أمن المملكة وسلامة مواطنيها.
كما شكل التعامل الحازم للمغرب تحت قيادة جلالة الملك، والقرارات الحاسمة التي اتخذها في تعاطيه مع الهيئة الأممية، نقطة حاسمة مكنت من تصويب المسار الأممي عند كل منعرج تظهر فيه بعض المناورات أو التصريحات التي تحاول أن تنحرف به عن مساره الصحيح، ففي 18 ماي 2012، أعلنت الرباط سحب الثقة من المبعوث الأممي السابق كريستوفر روس بسبب إعطائه توجيهات “منحازة وغير متوازنة” في إحدى تقاريره، وعقب التصريحات غير المقبولة والتصرفات المرفوضة للأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كي مون خلال زيارته لمخيمات تندوف في مارس 2016، قرر المغرب اتخاذ تدابير فورية شملت تقليصا لجزء كبير من المكون المدني لبعثة المينورسو، مؤكدا أن “المملكة المغربية تحتفظ بحقها المشروع في اللجوء إلى تدابير أخرى، قد تضطر إلى اتخاذها للدفاع، في احترام تام لميثاق الأمم المتحدة عن مصالحها العليا، وسيادتها ووحدتها الترابية”، كما جاء في بيان صادر حينها عن وزارة الشؤون الخارجية.
مكاسب ديبلوماسية كبرى وانجازات تنموية باهرة تحققت إذن بالأقاليم الجنوبية وفي عموم المملكة، تحت قيادة ملك عظيم يسير بشعبه الوفي برؤية ثاقبة وإيمان قوي وعزم لا يلين، نحو مزيد من التقدم والرقي والازدهار وتعزيز وصون وحدة المملكة الترابية وتكريس سيادتها على كافة أراضيها، وقد نجح في تحويل هذه الأقاليم إلى قطب اقتصادي بارز، بات يشكل همزة وصل بين المغرب وعمقه الافريقي.
لتشكل ذكرى مرور ربع قرن من تولي جلالته العرش، فرصة لتسليط الضوء على كل هذه المكاسب والإنجازات الهامة المحققة بهذه الربوع، والتي تشكل مصدر فخر واعتزاز لساكنتها وللشعب المغربي قاطبة، وقد كرست لنموذج مغربي فريد، حيث نجح جلالته في العبور بالمملكة إلى بر الأمان، وتجاوز كافة التحديات التي واجهتها وإحباط كل المناورات والمخططات العدائية التي استهدفت سيادتها ووحدتها، واضعا بذلك أسسا متينة لدولة قوية ومهابة تحظى باحترام وتقدير دول العالم، وسيسجل التاريخ بأحرف من ذهب بأن جلالة الملك محمد السادس نصره الله قد نجح في كسب رهان الدفاع عن الوحدة الترابية، وصون أمانة أسلافه المنعمين من ملوك الدولة العلوية الشريفة، محافظا بذلك على الارتباط الأبدي بين جنوب المملكة وشمالها.

