السياسة بالصحراء من الانغلاق القبلي إلى الانفتاح الحزبي:  “تجربة حزب الاستقلال نموذجا”

جديد الصحراء : بقلم عبدالقادر الحافظ بريهما

 

 

تعد الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية نموذجا فريدا في التطور السياسي والاجتماعي، حيث شهدت منذ استرجاعها إلى حظن الوطن سنة 1975 طفرة تنموية وديمقراطية هامة. وقد شكلت هذه العودة التاريخية نقطة تحول مفصلية، سمحت للساكنة المحلية بالانخراط الفعلي في تدبير شؤونهم عبر مؤسسات حزبية وانتخابية، تعززت بمشاركة فاعلة من مختلف مكونات المجتمع الصحراوي، مما رسخ صلة الوصل المتينة بين العاصمة الرباط والجهات الجنوبية تحت السيادة الوطنية.

 

لقد كانت الأحزاب السياسية، كحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي وبعض الاحزاب الأخرى، حاضرة في المنطقة منذ عهد الحماية عبر أفراد وعائلات وأسر آمنت بالعمل الوطني، وتوسع هذا النشاط بشكل كبير بعد المسيرة الخضراء المظفرة. ومع مرور العقود الخمسة الماضية، برزت أسر سياسية استطاعت بذكائها الميداني أن توازن بين إرثها الاجتماعي ومتطلبات العمل الحزبي الحديث، حيث نجحت في خلق نخب سياسية متجددة تجاوزت منطق الانغلاق، مقدمة بذلك تجربة ديمقراطية تنهل من الخصوصية المحلية وتصب في المشروع الوطني الشامل.

 

إلا أن المتأمل في المشهد السياسي الحالي بالصحراء، يجد مفارقة بين أحزاب استطاعت الانفتاح على جميع الأطياف بمختلف مشاربهم السياسية والاجتماعية، وأخرى سقطت في فخ “القَبليّة”. فالأحزاب التي تصر على صبغ هياكلها بلون قبلي واحد، تجد نفسها مكبلة بطقوس ومبادئ اجتماعية ضيقة تعيق تمددها، مما يجعلها تراوح مكانها سياسيا. إن حصر العمل الحزبي في حواضن أجتماعية مغلقة يحمل في طياته “فيروس” الهزيمة، لأن السياسة بطبعها تقوم على التعدد والتحالف لا على الإقصاء والانكفاء خلف النزعات العصبية الضيقة وغير المنتجة.

 

من خلال ما سبق، تبرز تجربة أسرة أهل الرشيد داخل حزب الاستقلال كنموذج حي للنجاح السياسي المبني على الانفتاح، فهي لم تحصصر نشاطها في دائرة القرابة، بل استطاعت جلب تعاطف وتمثيلية مختلف القبائل الصحراوية في المناصب والمسؤوليات. هذا النهج التشاركي الذي يضع الكفاءة والولاء الحزبي فوق الانتماء القبلي المنغلق، هو ما يفسر استمرارية ريادتها وقدرتها على تحقيق نتائج انتخابية كبرى، حيث يجد الجميع مكانه في الصفوف الأولى للحزب بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية وإنتمائه القبلي.

 

إن الإصرار على ممارسة السياسة “بجلد قبلي” يؤدي بالضرورة إلى نتائج سلبية وتراجع في الاستحقاقات الانتخابية، إذ يصعب على أي قبيلة، مهما بلغت قوتها، أن تكتسح المشهد بمفردها في ظل وعي سياسي متزايد. الأحزاب التي تمارس هذا النوع من “الأبارتهايد” الاجتماعي تفرض على المنخرطين من خارج النواة القبلية القبول بمراتب دونية و ثانوية، مما يطرد النخب السياسية و الكفاءات والإطارات والشيوخ والوجهاء ويجعل الحزب مجرد واجهة لخدمة مصالح ضيقة، فينتهي به المطاف مهزوما أمام القوى السياسية العابرة للقبائل والمنفتحة على المجتمع.

 

ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يظهر جليا أن الحنين إلى الممارسات القبلية المتزمتة الصيقة سيشكل عائقا أمام الطموحات السياسية لبعض الفاعلين، فالناخب بالاقاليم الصحراوية بات يميز بين من يقدم مشروعا تنمويا جامعا وبين من يسعى لتحصين نفوذ قبلي محدود. إن الأحزاب التي تفشل في قراءة هذا التحول السوسيولوجي ستجد نفسها خارج سياق الزمن السياسي، لأن منطق “القَبليّة” لا يولد إلا الانغلاق والفشل المتكرر في صناديق الاقتراع.

 

وفي ظل التحديات الراهنة وتنزيل مشروع الحكم الذاتي الكبير، بات من الضروري أن تحذو الأحزاب السياسية حذو النماذج الناجحة التي تنفتح بإيجابية على كافة الحواضن الاجتماعية. إن المرحلة القادمة لا تحتمل العقليات المتزمتة التي تسيء للعمل السياسي الجاد بقصد او بدونه، بل تتطلب نخبا قادرة على صهر الخصوصيات المحلية في بوتقة المصلحة الوطنية العليا، بعيدا عن حسابات الربح والخسارة القبلية الضيقة.

 

إن التحرر من القيود القبلية داخل الهياكل الحزبية ليس ترفا، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان استقرار وتمثيلية حقيقية بالصحراء. فالانفتاح على مختلف المكونات وتكريس الديمقراطية الداخلية هو السبيل الوحيد لبناء أحزاب قوية وفاعلة قادرة على مواكبة الأوراش الكبرى. أما البقاء تحت المعطف القبلي، فهو انتحار سياسي يجعل الحزب جسدا بلا روح، وعاجزا عن كسب ثقة المواطنين الذين يتطلعون لغد سياسي أكثر ديمقراطية و شمولية وحداثة.

 

إن التداخل بين القبلي والسياسي في الصحراء هو واقع سوسيولوجي لا يمكن نكرانه، لكن النجاح يكمن في كيفية تدبير هذا التداخل. فالقبيلة كفضاء اجتماعي للقيم والتكافل هي رصيد حضاري، أما تحويلها إلى مؤسسة سياسية بديلة عن الحزب فهي ممارسة تعيق الديمقراطية. إن المستقبل في الأقاليم الجنوبية هو للأحزاب التي تستوعب الجميع، وتجعل من التنوع القبلي مصدر قوة لا عامل تفرقة، لتكون بذلك قاطرة حقيقية لتنزيل الحكم الذاتي وتحقيق النهضة الشاملة تحت السيادة الوطنية بهذه الربوع العزيزة.

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد