جديد الصحراء : وهبي المغفري
تأتي حملات الاستهداف الرقمي التي تطال عدداً من الأسماء والشخصيات المؤثرة والوزانة بالمغرب في سياق تحولات سياسية ومؤسساتية كبرى تستعد لها المملكة خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 وتنزيل ورش الحكم الذاتي، وما تفرضه من إعادة ترتيب للأولويات السياسية والاقتصادية والتنموية.
وفي هذا الإطار، يبرز حزب الاستقلال كأحد أبرز القوى السياسية المرشحة للاضطلاع بأدوار متقدمة خلال المرحلة القادمة، بالنظر إلى حضوره التنظيمي والسياسي وتراكمه المؤسساتي، فيما تفرض أسماء صحراوية وازنة، وفي مقدمتها عائلة أهل الرشيد، حضورها بقوة ضمن النقاش المرتبط بتدبير مرحلة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، بحكم امتدادها التاريخي وتجربتها السياسية وموقعها في ملف الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.
وفي خضم هذه التحولات، تواصل بعض المنابر الرقمية المجهولة الهوية، وعلى رأسها ما يسمى بقناة “جبروت”، نهجها القائم على تصفية الحسابات الشخصية ومحاولة التشويش على أسماء لها ثقلها الذي يقام له ويقعد وكذا مكانتها الإعتبارية المؤثرة بالصحراء المغربية، عبر نشر معطيات مجتزأة ومغالطات تفتقر لأبسط قواعد المهنية والموضوعية، كان آخرها توجيه اتهامات مضحكة، حيث أضحى مجرد إستفادة عائلة أهل الرشيد و بشكل قانوني من مساحة عقارية تهمة يشار لها بالبنان وتقام له الدنيا والمأتم وحفلة صراخ وبكاء لا تنتهي .
هذه الادعاءات، التي يجري الترويج لها تتجاهل عمداً أن عمليات تفويت الأراضي أو الاستثمار العقاري بالمملكة تخضع لمساطر قانونية وإدارية واضحة، تشرف عليها مؤسسات الدولة وفق القوانين الجاري بها العمل، شأنها شأن مختلف المشاريع والاستثمارات التي تستفيد منها شركات وطنية كبرى ومستثمرون من مختلف الجهات.
والمثير للاستغراب أن الجهات نفسها التي تحاول اليوم استهداف ولد الرشيد تغض الطرف عن شركات عقارية كبرى،استفادت بدورها عبر سنوات من أوعية عقارية بمساحات شاسعة بقلب مدينة العيون، جنت كأرباح وفي لمح البصر أكثر من 1000 مليار، وذلك في إطار برامج استثمارية وسكنية حسب ما قيل في ذلك الحين، ودون أن يعتبر ذلك “ارتماء على الأراضي” أو يستدعي حملات التشهير نفسها.
وفي خضم هذا الجدل، يغفل كثيرون حقيقة جغرافية وبشرية أساسية، تتمثل في أن الصحراء المغربية تمتد على مساحة تناهز 250 ألف كيلومتر مربع، بما يجعل اختزال أي استفادة عقارية قانونية ومؤطرة في خطاب التهويل والتشنيع أمراً يفتقد للمنطق والإنصاف، فليس مستهجناً أن يستفيد بعض أبناء المنطقة ورجالاتها الذين ارتبطت أسماؤهم بالدفاع عن الوحدة الترابية والاستثمار داخل الأقاليم الجنوبية، من مساحات محدودة توجه لمشاريع وتنمية حقيقية ، بدل أن تبقى أراضٍ جامدة بلا أثر اقتصادي أو اجتماعي.
كما أن الفارق كبير بين من يحول العقار إلى قيمة مضافة وفرص شغل لأبناء المنطقة ومشاريع قائمة على أرض الواقع، وبين من راكم آلاف الهكتارات دون أن ينعكس ذلك على التنمية المحلية أو على حياة الساكنة.
كما يتجاهل أصحاب هذه الحملات التاريخ الوطني والسياسي لعائلة أهل الرشيد، ودورها البارز في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، فالعائلة ارتبط اسمها بمحطات مفصلية في تاريخ الصحراء المغربية، فقد كان خليهن ولد الرشيد من الشخصيات الصحراوية التي ساهمت في إضفاء الشرعية السياسية والقبلية على استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى الوطن الأم، من خلال انخراطه في مسار البيعة والدفاع عن مغربية الصحراء داخل المحافل الوطنية والدولية، وهو ذات الدرب الذي سار عليه شقيقه بتكريس القرب من الساكنة والذود عن مصالحهم وحلحلة مشاكلهم الإجتماعية والاقتصادية، وإدماج أبناء الصحراء بالتنظيمات الحزبية وفتح أفق أرحب لهم بعيد عن خطاب الإنفصال وهو ما أثمر تغيير الآلاف الشباب لمواقفهم وقناعاتهم والتي لم تكن تصب البتة لصالح الوحدة الترابية.
وبالعودة لموضوع منصة جبروت فغير خاف على أحد اتقاطع أجندات القناة مع بعض المجموعات الافتراضية المعروفة بإثارة الفوضى الرقمية والتحريض والتشهير، وخاصة ما كان يعرف بـ”حراك ديسكورد”، الذي ارتبط خلال مراحل سابقة بحملات استهداف ممنهجة لرموز ومؤسسات الدولة المغربية، عبر نشر الإشاعات والمعطيات غير الموثقة ومحاولات ضرب الثقة في المؤسسات الوطنية، والدفع بأبناء هذه الوطن من شباب جبل Z الى أتون فتنة تحرق الأخضر واليابس وتصيب الاستقرار ببلادنا في مقتل، لولا التدخل الملكي الحكيم الذي أعاد الأمور لسكتها الصحيحة قاطعا الطريق برؤية متبصرة على شذاذ الآفاق من العابثين بمستقبل البلاد و العباد .
وفي مقابل هذا الخطاب العدمي، نجد أن عائلة أهل الرشيد اختارت ومنذ سنوات الطريق الأصعب، والمتمثل في الاستثمار داخل الأقاليم الجنوبية نفسها، بدل الاكتفاء بالمضاربة العقارية أو تحويل الثروات نحو مدن أخرى أو إلى الخارج،. فالعديد من الأراضي التي تمت الاستفادة منها تحولت إلى مشاريع اقتصادية وسياحية وتجارية حقيقية ساهمت في خلق آلاف مناصب الشغل وتحريك العجلة الاقتصادية بالمنطقة.
وعكس ما روجت له جبروت فإن استثمارات أهل الرشيد بالمنطقة تبقى إحدى النقاط المضيئة في الصحراء المغربية، بالنظر إلى ارتباطها بمشاريع واستثمارات قائمة على أرض الواقع ومدرة الدخل جعلت هذه العائلة ثاني مشغل للسكان بعد الدولة، هذا في وقت استفاد فيه آخرون من عقارات وأراض واسعة دون أن تنعكس على التنمية المحلية، بل إن جزءاً من تلك الاستثمارات تم توجيهه خارج المنطقة وخارج البلاد، دون أي أثر اقتصادي أو اجتماعي ملموس لفائدة الساكنة المحلية.
ويبقى من اللافت والمثير أن المنصة الرقمية او ما يسمى “بجبروت” لا تقتصر في استهدافها على شخصيات صحراوية فقط، بل توسع دائرة الهجوم لتشمل أسماء ومسؤولين بارزين بمؤسسات الدولة، من بينهم فؤاد عالي الهمة وعبد اللطيف حموشي ومنير الماجيدي وعبد الوافي لفتيت، وقبل ذلك وزير الخارجية ناصر بوريطة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الخلفيات الحقيقية لهذه الحملات وحدود تقاطعها مع محاولات التشويش على مؤسسات الدولة ورموزها وإنجازاتهم التي ملأت الآفاق في كل المجالات وعلى مختلف المستويات.
كما أن عودة بعض الأصوات الإعلامية المثيرة للجدل للواجهة، ومحاولتهم عبثا ركوب هذه الموجة وبالنظر لتبعية هؤلاء المعروفة وولاءاتهم المكشوفة لبعض الجهات، يعري الواقفين خلف هذه الحملة ويسقط عنها ورقة التوت، كما يميط اللثام عن أهدافها والمتمثلة أساسا في خلط الأوراق والتأثير على ملامح المرحلة المقبلة إن وطنيا او جهويا على مستوى الصحراء عقب قرار مجلس الأمن الدولي 2797، والذي قرب أفق حل هذا الملف المزمن، وهو الواقع الذي لا يرضي أطرافا وجهات سُقط من أيديها ملف الصحراء وباتت خارجة دائرة تدبيره، وها هي اليوم تحارب طواحين الهواء علها تنبعث من تحت التراب، بعد أن إنقلب السحر على الساحر بندوة عبد الرحيم بوعبيد التي كانت منصة لكيل الإتهامات جزافا وحملة للتشكيك والضرب بكل الاتجاهات.
وقد كانت آخر أوراق هذه الحملة المفضوحة الأهداف كما الشخوص إخراج المدونة ” وكالة رمضان ” ومن يدور في فلكها من جحورهم لمهاجمة عائلة أهل الرشيد، وبعد أن عادت بخفي حنين تحمل أصفارا، وإخفاقها المدوي في التأثير على المكانة الإعتبارية لهذه العائلة الوطنية، قرر الواقفين على هذه الحملات الخبيثة اللعب بآخر الأوراق وأكثرها قذارة وحقارة من بوابة الفيلم الوثائقي الذي إستهداف بشكل مباشر الشرفاء الركيبات، الذين يعرف القاصي و الداني كما الصغير والكبير أن أي حل لنزاع الصحراء لم ولن يمر دونهم وبمباركتهم .
إن هذا الواقع يؤكد أن المغرب مقبل على مرحلة دقيقة تتطلب الاستقرار السياسي والمؤسساتي، خاصة مع الرهانات الدولية والتنموية الكبرى المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 وتنزيل الحكم الذاتي، وفي ظل إخفاق وفشل بعض الجهات في التموقع بهذه المرحلة التاريخية الحاسمة جعلها تختار الإنتحار السياسي والضرب بشكل عشوائي، ممنية النفس أنها قد تنجح بضربة حظ في إرباك المشهد وإعادة رسم الخارطة السياسية، من بوابة حملات رقمية واستهداف ممنهج لعدد من الشخصيات والمؤسسات المؤثرة.
إن النقاش حول تدبير العقار أو طرق الاستفادة من المشاريع العمومية حين يستند إلى معطيات دقيقة ووثائق واضحة والى المؤسسات الوطنية يظل أمرا مشروعا ، أما تحويله إلى حملات تشهير تستهدف الأشخاص دون أدلة، فهو سلوك يسيء للإعلام ولحق الرأي العام في الوصول إلى الحقيقة الكاملة بعيداً عن الحسابات الضيقة والأجندات المجهولة.

