الأسرة المغربية تدخل قلب الأجندة السياسية.. هل بدأت مرحلة جديدة في صناعة السياسات الاجتماعية؟

جديد الصحراء : الرباط

 

 

لم يعد ملف الأسرة المغربية يطرح فقط داخل أروقة المحاكم أو في النقاشات المرتبطة بمدونة الأسرة، بل بدأ يتحول تدريجيا إلى أحد العناوين الكبرى للنقاش السياسي بالمغرب. فمع توالي المؤشرات الديمغرافية والاجتماعية، من تراجع الإقبال على الزواج وانخفاض الخصوبة إلى ارتفاع نسب الطلاق واتساع دائرة الهشاشة، أصبحت الأحزاب مطالبة بتقديم تصورات تتجاوز التشخيص إلى اقتراح حلول عملية.
وفي هذا السياق، اختار حزب الاستقلال أن يضع الأسرة في صدارة أولوياته، من خلال ندوة وطنية بالرباط انتهت بالدعوة إلى إعداد ميثاق وطني للأسرة، باعتباره أرضية لتوحيد الرؤية بين مختلف القطاعات الحكومية، وإخراج السياسة الأسرية من منطق التدخلات المتفرقة إلى منطق التخطيط المندمج.
ولم يقدم الحزب مقترحه باعتباره مبادرة اجتماعية فقط، بل بوصفه جزءا من مشروع أشمل لإعادة بناء الدولة الاجتماعية، انطلاقا من اعتبار الأسرة الحلقة التي تتقاطع عندها رهانات التعليم والصحة والشغل والسكن والحماية الاجتماعية. ووفق هذا التصور، فإن الاستثمار في الأسرة ليس إنفاقا اجتماعيا، بل استثمار في الاستقرار والتنمية والرأسمال البشري.
وفي عرضه لهذه الرؤية، اعتبر الأمين العام للحزب، نزار بركة، أن التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي لم تعد تسمح باستمرار المقاربات التقليدية، داعيا إلى الانتقال من سياسة تقوم على معالجة آثار الهشاشة إلى سياسة تعزز قدرة الأسر على الإنتاج والاستقلال الاقتصادي، عبر التكوين والإدماج في سوق الشغل، وتشجيع المبادرات المدرة للدخل.
كما دعا إلى إحداث “بيوت الأسرة” لتوفير خدمات الوساطة الأسرية والمواكبة النفسية والاجتماعية، إلى جانب مراجعة المقاربة المرتبطة بالمديونية الأسرية، وتعزيز الحماية الصحية، وإدماج وضعية الإعاقة في برامج الدعم، فضلا عن تطوير آليات لحماية الأطفال واليافعين من المخاطر الرقمية.
في المقابل، كشفت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بن يحيى، أن الحكومة تعمل على إعداد أول سياسة عمومية مندمجة للأسرة، في خطوة تعكس توجها نحو تجميع مختلف البرامج داخل رؤية موحدة، كما أعلنت قرب إطلاق الاستراتيجية الوطنية للنهوض باقتصاد الرعاية، التي تراهن عليها الحكومة لخلق فرص شغل وتوسيع خدمات الرعاية الاجتماعية.
وتكشف هذه المبادرات، سواء الحزبية أو الحكومية، أن الأسرة المغربية لم تعد مجرد موضوع اجتماعي، بل أصبحت فضاء تتقاطع داخله رهانات الاقتصاد والديمغرافيا والتنمية. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، يبدو أن هذا الملف مرشح لأن يحتل موقعا متقدما في برامج الأحزاب، باعتباره من القضايا القادرة على مخاطبة الانشغالات اليومية للمغاربة، وقياس قدرة الفاعلين السياسيين على تقديم حلول تتجاوز الشعارات نحو سياسات قابلة للتنفيذ.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد