جديد الصحراء : بقلم : سيدي عمر الكنتاوي
حين أختار حزب الاستقلال، فإن اختياري يستند إلى قناعة بأن المرحلة السياسية المقبلة ستكون مختلفة عن سابقاتها، وأن المغرب سيكون أمام استحقاقات كبرى تتطلب أحزابا ذات مرجعية وطنية واضحة، وتجربة مؤسساتية متراكمة، وأطر قادرة على الجمع بين تدبير الشأن الداخلي ومواكبة التحولات السياسية والاستراتيجية التي تعرفها المملكة ومحيطها.
حزب الاستقلال، بما راكمه من رصيد تاريخي، وبمرجعيته الوطنية المغربية، وبما يضمه من كفاءات وتجارب متنوعة، يمثل بالنسبة إليّ مدرسة سياسية قادرة على استيعاب تعدد المجتمع المغربي، وعلى الجمع بين العمل المؤسساتي والحضور الميداني.
غير أن أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة سيكون مرتبطا بقضية الصحراء المغربية، ليس فقط باعتبارها قضية الوحدة الترابية للمملكة، وإنما بالنظر إلى التحولات السياسية والدبلوماسية المتسارعة التي تحيط بملفها، وبما يفرضه ذلك من ضرورة مواصلة الترافع والدفاع عن المصالح الوطنية، ومواكبة المسار الدولي المرتبط بمبادرة الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية امتلاك الحزب لقيادات ذات حضور قوي في الأقاليم الجنوبية، وقادرة على التواصل مع مختلف مكونات المجتمع المحلي وفهم خصوصياته. ومن أهم هذه الأسماء التي لها دور كبير في المساهمة السياسية في هذا المسار القيادي مولاي حمدي ولد الرشيد، وذلك بالنظر إلى حضوره السياسي والترابي الممتد، وتجربته في تدبير الشأن المحلي بمدينة العيون، وموقعه داخل قيادة حزب الاستقلال.
وتكمن أهمية مولاي حمدي ولد الرشيد، في هذا التصور، في كونه شخصية سياسية ذات ارتباط مباشر بالمجتمع المحلي في الأقاليم الجنوبية، الأمر الذي مكنه من فهم التحولات التي تعرفها المنطقة، وفي بناء جسور التواصل بين المؤسسات ومختلف الفاعلين المحليين.
كما أن قدرته على بناء التوافقات وإدارة العلاقات بين مختلف الفاعلين يمكن أن يشكل، من منظور سياسي، عنصرا مهما في أي مرحلة انتقالية تتطلب توسيع دائرة التفاهم والانخراط المحلي في المشاريع الوطنية الكبرى. خاصة في تطبيق مشروع الحكم الذاتي و الذي سيظل مرتبطا أساسا بالإطار الدستوري والسياسي للمملكة وبالمسار الأممي والدبلوماسي وبالقرارات والمؤسسات المختصة.
ومن العناصر التي تستحق الانتباه أيضا أن حزب الاستقلال استطاع، في تركيبته القيادية الحالية، أن يجمع شخصيات سياسية من مناطق وجهات مختلفة من المملكة، حيث جعل هذا التنوع حزب الاستقلال متميزا، في مرحلة تتطلب أن تكون القضايا الوطنية الكبرى حاضرة ليس فقط في الخطاب المركزي، وإنما أيضاً في مختلف جهات المملكة، من خلال قيادات تعرف مجتمعاتها المحلية، ولها القدرة على التواصل معها وتأطيرها سياسيا ومؤسساتيا.
ومن هنا، فإن الحديث عن أهمية تحمل حزب الاستقلال مسؤولية رئاسة الحكومة المقبلة لا ينبغي أن يُختزل في تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل يمكن أن يُطرح أيضا في إطار سؤال أوسع: كيف يمكن لحكومة مقبلة أن تجمع بين الإصلاح الداخلي والتنمية من جهة، ومواصلة الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب خارجيا من جهة أخرى؟
إن قضية الصحراء المغربية والحكم الذاتي ستكون، في هذا السياق، من الملفات التي ستحتاج إلى نفس سياسي طويل، وترافع دبلوماسي مستمر، وتنسيق مؤسساتي، وحضور قوي في الأقاليم الجنوبية، وقدرة على استثمار العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية لخدمة الوحدة الترابية للمملكة.
ومن هذه الزاوية تحديدا، أرى أن وجود شخصيات قيادية مثل مولاي حمدي ولد الرشيد، التي تتمتع بالحضور الترابي القوي و التأثير المهم في القرار السياسي الحزبي، إلى جانب التجربة والرصيد التاريخي والموقع المؤسساتي للحزب، يمكن أن يوفر قاعدة سياسية مهمة لمواكبة هذه المرحلة.
إن اختياري لحزب الاستقلال، في النهاية، هو تعبير عن قناعة بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حزب يجمع بين المرجعية الوطنية، والتجربة المؤسساتية، والكفاءة، والامتداد الترابي، والقدرة على مواكبة الرهانات الكبرى للمغرب؛ وفي مقدمتها التنمية، وتقوية الدولة الاجتماعية، وتعزيز الحضور الدبلوماسي والسياسي للمملكة، ومواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية ومبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.
إنها مرحلة تحتاج إلى رجال ونساء دولة، وإلى مؤسسات قوية، وإلى قيادة سياسية قادرة على بناء التوافقات وتعبئة مختلف مكونات المجتمع حول القضايا الوطنية الكبرى.

