جديد الصحراء : بقلم ميليدة اعليوة
ليست كل المسارات السياسية مجرد انتقال من موقع إلى آخر، وليست كل الأسماء التي تصل إلى واجهة المؤسسات الوطنية تُقرأ من خلال مناصبها وحدها. فبعض المسارات تستحق أن تُقرأ في سياقها الزمني والجغرافي والسياسي، وأن يُنظر إليها باعتبارها امتداداً لتجربة تشكلت عبر سنوات من الحضور والعمل داخل المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، يبرز اسم سيدي محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، باعتباره اسماً ارتبط مساره السياسي بمدينة العيون والأقاليم الجنوبية، قبل أن يصل إلى واحدة من أرفع المسؤوليات داخل المؤسسة التشريعية المغربية.
من العيون تبدأ الحكاية..
وُلد سيدي محمد ولد الرشيد بمدينة العيون سنة 1978، وتابع دراسته الجامعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث حصل على الإجازة في القانون العام. غير أن قراءة مساره لا تتوقف عند التكوين الأكاديمي، بل تمتد إلى اختياره المبكر الانخراط في العمل السياسي والمؤسساتي.
ففي سنة 2008، انتُخب عضواً باللجنة المركزية لحزب الاستقلال، قبل أن يصبح سنة 2009 مستشاراً برلمانياً، وهو المسار الذي امتد لثلاث ولايات برلمانية متتالية. كما اضطلع بمسؤوليات داخل مجلس جهة العيون الساقية الحمراء، من بينها رئاسة لجنة التنمية الاقتصادية، فضلاً عن حضوره في عدد من الهيئات والمؤسسات المهنية.
إن أهمية هذه المحطات لا تكمن فقط في تعدد المسؤوليات، بل في كونها تضعنا أمام مسار تدرّج عبر مستويات مختلفة من العمل السياسي والتمثيلي، من المجال الترابي إلى فضاء المؤسسة التشريعية.
من المجال الترابي إلى رحاب المؤسسة الوطنية
في السياسة، لا تُختزل التجربة في عدد المناصب التي يتولاها الفاعل السياسي، بل في طبيعة المسار الذي يقوده إليها، وفي قدرته على الانتقال من معالجة القضايا المحلية إلى الانخراط في النقاشات الوطنية الأوسع.
وفي هذا السياق، يشكل انتخاب سيدي محمد ولد الرشيد رئيساً لمجلس المستشارين يوم 12 أكتوبر 2024 محطة بارزة في مساره السياسي، بعدما حصل على 94 صوتاً من أصل 104 أصوات معبّر عنها.
ولعل ما يمنح هذه المحطة دلالتها الخاصة هو ارتباطها بمسار سياسي انطلق من الأقاليم الجنوبية، ليصل إلى رئاسة إحدى غرفتي البرلمان المغربي؛ وهو ما يفتح المجال لقراءة أوسع حول حضور الكفاءات والفعاليات السياسية القادمة من مختلف جهات المملكة في المؤسسات الدستورية.
المسؤولية أكبر من المنصب
إن رئاسة مجلس المستشارين ليست مجرد واجهة بروتوكولية، بل مسؤولية دستورية ومؤسساتية تقتضي تدبير أشغال مؤسسة تمثل مكونات متعددة، وتضطلع بأدوار تشريعية ورقابية واستشارية.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لأي رئيس لهذه المؤسسة لا يرتبط فقط بالوصول إلى كرسي الرئاسة، بل بما يقدمه في مجال تطوير العمل البرلماني، وتعزيز الحوار المؤسساتي، وإغناء النقاش العمومي، وجعل المؤسسة فضاءً للتعددية وتلاقي الرؤى.
وفي أبريل 2026، أضيفت إلى مساره محطة أخرى بانتخابه رئيساً لجمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، بما يوسع نطاق المسؤولية من المستوى الوطني إلى فضاء التعاون البرلماني الإفريقي.
بين الامتداد والرهان..
قد تختلف القراءات السياسية للمسارات والأسماء، لكن قراءة التجربة تقتضي الإنصاف في عرض الوقائع، والتمييز بين ما تحقق بالفعل وما لا يزال رهيناً بما ستكشف عنه الممارسة.
فسيدي محمد ولد الرشيد يمثل نموذجاً لمسار سياسي انتقل من المجال المحلي بمدينة العيون إلى مسؤولية وطنية، ثم إلى موقع في إطار التعاون البرلماني الإفريقي.
والأهم من استحضار المحطات هو طرح السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل تجربة تصل إلى مواقع المسؤولية: كيف يمكن تحويل هذا الحضور المؤسساتي إلى قيمة مضافة للعمل التشريعي، وإلى مساهمة ملموسة في معالجة قضايا المواطنين؟
فالتاريخ السياسي لا تكتبه المناصب وحدها، ولا تصنعه الأسماء بمجرد حضورها في الواجهة؛ بل تكتبه الممارسة، وتقيسه حصيلة المسؤولية، وتمنحه قيمته الحقيقية آثاره في المؤسسات والمجتمع.
إنها حكاية مسار انطلق من العيون، ووصل إلى قلب المؤسسة التشريعية، وما زالت محطاته المقبلة مفتوحة على رهانات أكبر من حدود الجغرافيا والموقع.

