جديد الصحراء : أمال بن خليفة
بعد إسدال الستار على مشوار جميع المنتخبات الإفريقية والعربية في نهائيات كأس العالم، بقي المنتخب الوطني المغربي وحيداً في ساحة المنافسة، حاملاً راية كرة القدم الإفريقية والعربية، ومدافعاً عن آمال قارة بأكملها في أكبر محفل كروي عالمي.
ولم يعد حضور “أسود الأطلس” بين كبار العالم مجرد مفاجأة عابرة أو إنجاز ظرفي، بل أصبح امتداداً لمسار تصاعدي رسخته النتائج والأداء والشخصية التنافسية التي أظهرها المنتخب في مختلف الاستحقاقات الدولية، ليؤكد مباراة بعد أخرى أن المغرب بات رقماً صعباً في كرة القدم العالمية.
ويستند هذا التحول إلى رؤية ملكية استراتيجية بعيدة المدى، جعلت من الاستثمار في العنصر البشري والتكوين والبنيات التحتية الركائز الأساسية لبناء منظومة كروية متكاملة. فمنذ سنوات، أولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، عناية خاصة بالرياضة الوطنية، وكرة القدم على وجه الخصوص، عبر مشروع متكامل لم يكن هدفه تحقيق نتائج آنية، وإنما إرساء أسس نموذج مستدام، قادر على إنتاج أجيال متعاقبة من اللاعبين المؤهلين للمنافسة في أعلى المستويات.
وتُعد أكاديمية محمد السادس لكرة القدم إحدى أبرز ثمار هذه الرؤية، بعدما تحولت إلى صرح رياضي رائد في اكتشاف المواهب وصقلها وفق أحدث مناهج التكوين، التي تجمع بين التأهيل الرياضي والتربوي. وقد نجحت الأكاديمية في تخريج عدد من اللاعبين الذين أصبحوا يشكلون ركائز أساسية داخل المنتخب الوطني، وفي مقدمتهم نجم خط الوسط عز الدين أوناحي، ما يؤكد أن التألق المغربي الحالي هو ثمرة سنوات من التخطيط والعمل والاستثمار في الفئات الصغرى، وليس وليد الصدفة.
وإلى جانب ذلك، أسهمت الاستراتيجية الوطنية لتطوير كرة القدم في تحديث مراكز التكوين، وتأهيل البنيات الرياضية، وتعزيز الاستفادة من الكفاءات المغربية داخل المملكة وخارجها، الأمر الذي وفر للمنتخب الوطني قاعدة بشرية غنية ومنظومة احترافية متكاملة، انعكست بشكل مباشر على مستوى الأداء والنتائج.
ولعل أبرز مظاهر هذا التحول يتمثل في العقلية الجديدة التي بات يتمتع بها اللاعب المغربي، إذ أصبح يخوض المباريات الكبرى بثقة وروح تنافسية عالية، بعيداً عن رهبة الأسماء أو عقدة المنتخبات التاريخية، وهو ما تجسد بوضوح في المشاركات العالمية الأخيرة.
واليوم، وبعد خروج جميع ممثلي إفريقيا والعالم العربي من المنافسة، تتجه الأنظار مجدداً نحو المنتخب المغربي، باعتباره المحارب الأخير الذي يواصل رحلته بين عمالقة كرة القدم، حاملاً على عاتقه آمال الملايين، ومجسداً في الوقت نفسه قصة نجاح وطنية عنوانها التخطيط، والاستمرارية، والإيمان بقدرات الشباب المغربي.
إن ما يحققه أسود الأطلس في المونديال يتجاوز حدود الانتصارات داخل المستطيل الأخضر، فهو تتويج لمسار إصلاحي ورؤية ملكية جعلت من كرة القدم المغربية نموذجاً قارياً ودولياً يحتذى به، وبين طموح شعب وإصرار جيل لا يعترف بالمستحيل، يواصل المغرب كتابة صفحات جديدة من تاريخه الكروي، وهذه المرة ليس باعتباره مفاجأة البطولة، بل كواحد من كبار كرة القدم العالمية.

